التقليد ليس أعمى

 


ناصر محمد نوراني*

ننشأ على نوع من البداهة اللغوية التي تشكلها أفكارنا وتصوراتنا الجاهزة والتي تترسخ من ثم في شكل أقوال شائعة.

عادة ما تمر من غير مراجعة أو مواجهة نقدية  ،لذا  دعا عالم فرنسي في علم الاجتماع  لتأسيس ما أسماه (فن مقاومة الأقوال المتداولة).

استوقفتني هذه الدعوة، وسرعان ما قفزت إلى ذهني عبارات ملغومة ذات صلة بالإعاقة، تستدعيها وسائل الإعلام و الكتب و نتداولها في أجواء حياتنا  اليومية بشكل تلقائي دون تردد أو شبهة حرج.

فاذا ما ظهرت مثلا في حياتنا الاجتماعية(تقليعة) لم تعهدها  منظومتنا القيمية، اتهمنا من بتبناها بممارسة (التقليد الاعمى)، وحين يجهل أحد الأشخاص حقيقة  ما يدور حوله نسخر من غفلته ونصفه  بأنه (كالأطرش في الزفة)، وإذا اختلت الممارسة الديمقراطية في بلد من البلدان وصفها الكاتبون  وبلا عناء بأنها ممارسة  “عرجاء”.

في كل هذه الاختيارات اللغوية لا نشعر بأننا نمارس فعلا تمييزياً تجاه الإعاقة وأصحابها، وأننا بمثل هذه العبارات والأوصاف نكرس لصور سلبية مغلفة بأوراق البلاغ الزاهية.

فتقليد السلوك أو الظواهر الطارئة على الحياة في أي مجتمع هو سلوك يتسم بالوعي في الاختيار والإرادة الحرة لمن يقوم به وبالتالي فهو لا يأتيه وهو  “معصوب العينين” أو مستسلما لغيره  في ذلك، لذا فأن حشر “العمى”  في هذا السياق يعتبر استخداما مسيئا  له ولمن أبتلي به أكثر من اساءته لفعل التقليد.

والشخص المصاب  “با لصمم” هو لا يسمع بالطبع، لكن هذا لايعني انه غارق في غيبوبة شعورية تتعطل معها بقية حواسه أو يحيد عقله “، ثم أن العرج وان شكّل صعوبة  في المشي بالنسبة للشخص المصاب به، إلا أنه لا يعوقه عن الحركة بحيث يحرمه من الوصول الى وجهته في نهاية المطاف في حين أن الديمقراطية المحتلة ان لم يجتهد ممارسوها في تصحيح أخطا ئها فلن تؤتي ثمارها المرجوة أبدا.

شخصيا أومن بأن مثل  هذه الاستخدامات اللغوية خصوصا و واجهتها البلاغية ليست بريئة من شبهة العمل على “صنع التمييز” تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة بما تمتلكه من قدرة ساحرة وهذا مكمن الخطر على ا خفاء أفعالها المنكرة تحت استار جميل القول وزاهيات الصور التعبيرية بحيث نغدو ونحن نتداول مثل هذه التعبيرات والتشبيهات كمن يحمل قنابل تميزية مؤقتة تنفجر فينا وفي من حولنا دون أن نحس.

زبدة القول أرجو أن نتصدى للتقليد السئ من غير أن نقحم العمى في هذا المعترك وأن نستخرج من ذخائر اللغة ما يصف غفلة الانسان عن واقعه بعيدا عن الصمم وأن نمارس ديمقراطية مكتملة نصحح أخطائها بأدوات واعية وبلغة لا تستدعي العرج وتقرنه بالممارسات الناقصة، زبدة الزبدة نحتاج الى التدقيق في سيل كلامنا لنكتشف فيه عشرات عشرات الامثلة المشابهه لإنتهاكات اللغة للاعاقة وذويها والتي تحتاج منا الى تصدي نقدي يقاوم سطوة الأقوال المتداولة.

 

*صحفي في إعلام الطفل

nassernoor@hotmail.com

عن محرر