ما بعد العصيان المدني

عمر حلاق
هدأت وتيرة التجاذب بين نجاح العصيان وفشله، الأمر الذي لا يخالطه شك أن النظام القائم في الخرطوم عمل كل ما بوسعه من أجل إفشاله،رأينا لأول مرة احتفالات متعددة بالإستقلال من أماكن مختلفة في ١٩ ديسمبر، وهو أمر جديد على نظام لا يعي ماهية الإستقلال، شاهدنا وإطلعنا على أوامر صادرة للتعليم الأهلي بضرورة العمل في ذلك التاريخ، ثم شهدنا جميعاً على إجراءات تعسفية ضد الذين لبوا الدعوة، أما الداعين للعصيان والمستجيبين له فيكفيهم من النجاح أن مفردة “عصيان” سيطرت على الواقع والاسافير.
ثم ماذا بعد؟
سؤال إجابته مختلفة تماما بين معسكري النظام والشعب السوداني، فالنظام لا يعلم من أي فج سيقفز العاصين على فساده، أيضاً وضح جلياً أنه بلا حلول للأزمة الاقتصادية الآنية تلك التي يرجح استفحالها مع كل يوم يمر، كما وضح دون مواربة أنه لا يملك أي بدائل للتعامل مع الأزمة فالميزانية كشفت مستور ما يمكن أن يخبئه النظام، صرف على تأمينه من الشعب السوداني أكثر بأضعاف من المفترض أن يكون لصالح شعبنا.
وهنا حيث يستعد الشعب السوداني، نجد أن حواجز من الخوف تهاوت، ووحدة لم يسبق لها التَّشكُّل قبل ذلك، نجد أن الشباب على أعتاب الفعل يتبعهم الفاعلون من كل طبقات وتصنيفات الشعب، ثم إن إلتزم الأمر ناصية الشباب عليك التيقن من الحاضر والمستقبل معاً، لم يستثنوا بعضهم البعض وفق تصنيفات سابقة، بل كان توحدهم من مفردة سوداني وكفى، إختلفت احزابهم وتباينت رؤاهم ثم جمعهم الوطن العريض.
ما بين المعسكران هوة لا يمكن إلتئامها، فالدعوة للحياة لا يمكن مقارنتها بدعوات الموت، والوقوف بجانب القانون والشرعية لا يمكن وضعه في نفس قالب التجاوزات والنعرات وما يفرق الناس، للشعب السوداني حق الحياة في وطنه، وللحكام حق أخير، أن يكافحوا لأجل دولة اللا قانون ثم اللا منطق.
الشعب السوداني بكلياته مع الحياة والمستقبل، ثم النظام ومعاونيه يقفون في صف الظالم من أجل استمرار دولة الظلم والطغيان، آملين في مستقبل ليس ملكهم وفق قوانين صاحب الملكوت، وبعيداً عن الديانات وقريباً من المنطق لن يجد منسوبي النظام موطئ قدم حين يتوحد الصراخ.
بعد العصيان بأيامه الثلاث تلك التي بدأت في أواخر نوفمبر ثم أردفت بتاريخ ١٩ ديسمبر علينا جميعا العلم، أن واقع السياسة السودانية دخل فيه لاعبون جدد، بعيداً عن تهكم النظام ووعيده وأيضاً بعيدا عن آمال أحزاب ومصفوفات سياسية تيقنت أن نظام الإنقاذ أزفت أيامه، لن أمِّل التكرار بأن علينا واجبات مثل ما لنا حقوق.
واجب كل “العاصين” لتواريخ الظلم أن يعوا جيداً بأن الذي أورد السودان موارد التهلكة،هو ظن البعض بأن في أيديهم مفتاح الحل، وأن البعض قد يمكنه القيام بمهام الكل، ثم أثبتت كل التجارب أن وطن التعدد العرقي والديني والثقافي لن تحكمه فئة دون أخرى، عليهم التيقن بأن هذا الشعب ذكي ولماح وميّال لأصحاب الأجندة المنتمية فقط للشعب السوداني، هذا الشعب مجرِّب ومجرَّب.
ثم على الأحزاب السياسية السودانية بكلياتها العمل على إتساق داخلها بما تتمناه خارجها، عليها إشاعة الديمقراطية في ممارساتها الداخلية، عليها فتح (نفاج) للغد عبر سواعد شبابها الفتية، ثم عليها مواكبة هتاف الشعب السوداني، عليها ردم الهوة بين خطابها وآمال شعبها، ثم إن ظنت فقط أن قدرتها على الحكم ستنجح وفق الأمنيات أكرر أنها ستفشل، من لم يبني نظامه الداخلي على العدل لن يجد مكانه في دولة العدالة، ومن حرم الشباب نزواتهم ستنتزعه نزوات المتسلقين وأصحاب الغرض، فحين تفقد داعمك الأساسي بالابتعاد عنه لا تستطيع محاسبته في إتباع الغاوون وأصحاب المصلحة الانية.
هنالك فضاء يجب ملأه بالوعي، من يترك فراغ بسبب قصوره عليه العلم أن مكانه الرصيف، ثم على كل أحزابنا التيقن بأن الصندوق قد يأتي بك مرة، ولكنها ستظل قصيرة في عمر الانسانية، وتبقى الاستدامة لذلك الذي طور أدواته لصالح التعبير عن هذا الشعب.
العصيان أنتج وعي، هذا الوعي يحتاج لاستمرار ومراجعة وممارسة، ثم الغد بناصية الذين أستوثقوا وتواثقوا على الانتماء لشعبهم.
حينها لن تكون ردود النظام سوى الانصياع لرغائب شعبنا، بالسلم ننجح حين فشلت البندقية أن تبدل هتافنا.
وطن بالفيهو نتساوى ونحلم نقرا نتداوى.
أخيرا تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.