النخبة السودانية 10 من 10 في سجل الفشل

محمد الفكي سليمان
محمد الفكي سليمان

يستقبل السودانيوان ذكرى استقلال بلادهم بالالم والحسرات،فالاهازيج والاغنيات التي انشدوها صباح1/1/1956 لم تثمر سوى الخيبات الكبيرة لدرجة ان التحسر على عهد الاستعمار اصبح من الاحاديث التي يمكن ان تسمعها دون ان تصاب بالدهشة.

يجرد السودانيون حساب61 عام من الحكم الوطني فيجدونها صفر كبير، فالبلاد القارة المعروفة سابقا ببلاد المليون ميل مربع  والتي حباها الله بكل الموارد” مائة مليون فدان صالحة للزراعة وتسع انهر واربعة واربعين مجرى مائي” غير غابات الاشجار المثمرة، والصمغ العربي وملايين الرؤوس من مختلف انواع الثروة الحيوانية لم تستطع توفير ادنى مقومات العيش الكريم لابنائها اذ مايزال اكثر من نصف سكانها يرسف تحت ذل الفقر والمرض.
وتحطمت الخدمة المدنية العريقة المؤروثة من الاستعمار، واصبحت السكك الحديدية التي تغطي الالاف من الكيلومترات مجرد حكايات واغنيات تعبر عن حقبة تاريخية من عمر الوطن، واغلقت المدارس القومية التي شيدت على طراز ارقى مدارس النخبة الاروبية لبناء جيل من المتعلمين الوطنيين بل ان بعض هذه المدارس استخدم لفترات كمعسكرات لتدريب ذات الطلاب للانخراط في الحرب الاهلية بدلا عن الدفع بهم الي مراكز البحوث وجهاز الدولة للمساهمة في رقي البلاد، وتدحرجت جامعة الخرطوم ايقونة السودانيين جميعهم  الامي قبل المتعلم الي درك سحيق في تصنيف الجامعات العالمية بعد ان كان لقبها بين ظهرانيهم” الجميلة ومستحيلة” وهو الاسم الشعبي الذي يدل على سموق مكانتها.
وسجلت النخبة السودانية بجميع اطيافها  اعلى درجات الفشل حتى اورثت دولتها مايعرف بتصنيف “الدولة الفاشلة” فالنخبة السودانية سجلت الدرجة الكاملة وهي10 من10 في تقارير المنظمات الدولية لعدم اتفاقها حول اي مشروع وطني وسياسي يخرج بالبلاد الي بر الامان.
وانعكس انقسام النخبة السودانية على الواقع حروبا مستمرة اذ ان اول رصاصة اطلقت في اطول حروب القارة كانت يوم18 اغسطس1955 اي قبل اشهر قليلة من استقلال السودان، واستمرت هذه الحرب التي تسكن لفترات قصيرة بفعل اتفاقات يتبين غرضها  “اخذ انفاس قصيرة لاعادة مواصلة التقاتل”.
انتجت هذه الحرب واقعا على جغرافيا البلاد، فبعد هدنة استمرت خمس سنوات تحت مسمى اتفاق نيفاشا الذي رعته دول غربية بالتعاون مع دول الجوار واستضافته كينيا في احدى منتجعاتها الشهيرة”نيفاشا” حمل الاتفاق اسم المكان، توقفت الحرب بفضل هذا الاتفاق ولكنه لم يخلق الواقع المأمول اي التمهيد لوحدة البلاد الكبيرة، بل سار كل فريق نحو الانفصال، واصبح هنالك دولتان سرعان ماتجددت الحرب الاهلية في الشمال الام والجنوب الوليد لذات الاسئلة التي مازالت تراوح مكانها منذ61 عام.
مشهد مئات الالاف من السودانيين الذين يتركون بلادهم بصورة يومية هو الرد البليغ على ماتفعله النخبة السودانية التي لاتمل الحديث عن انها ستتفق يوما وتنهض بالبلاد.واصبح من المالوف ان تجد سودانيا في اي بلاد تذهب اليها وجميعهم متشابهون ويحملون ذات القصة المؤلمة عن بلاد قارة لم تطعمهم من جوع او تأمنهم من خوف
ويكاد عدد السودانيون بالخارج يساوي عدد  المتبقي في البلاد الامر الذي تترتب عليه مخاطر عديدة فالبلاد الكبيرة بمواردها الضخمة محاطة بعدد من الدول التي تعاني من تضخم في السكان وشح في الموارد الامر الذي يجعل تسربها الي تلك الاراضي الخالية امرا وارد ومنطقي.
سيحتفل السودانيوان في كل بلاد العالم بهذه الذكرى المجيدة يحدوهم الامل بالعودة يوم “ما” لوطن اصبح مجرد حكاية لاجيال كاملة نشأت في المهاجر  لاتعرف عنه سوى قصص لاتصدقها، وصور على الحائط واغنيات في الامسيات وبعض الاشعار التي تلقى في هذه المناسبة ثم يطويها النسيان.

عن محرر

شاهد أيضاً

رجل المهمات الصعبة..آخر طلقة

  مقدمة:   *الإخوة و الأخوات القُراء أعود للكتابة مرة اُخرى مُرغمآ كما بدأتها من …