من آثار سياسات التحرير الاقتصادي 90% من العاملين خارج التكوينات النقابية

محمد علي خوجلي
برزت النقابات مع النهضة الصناعية في أوربا منذ أواسط القرن الثامن عشر، ودعم النظام الرأسمالي قيام وبقاء النقابات وكان إهتمام الدول الرأسمالية يبدأ بتطوير علاقات العمل وتوحيد القوانين العمالية على نطاق العالم (منظمة العمل الدولية 1919) لتوحيد شروط المنافسة فيما بينها. ونشأت النقابات في السودان في منتصف القرن التاسع عشر.
ومع حقبة رأس المال المالي (الامبريالية) أصبحت النقابات من العقبات التي تواجه أنشطة الاحتكارات والشركات متعددة الجنسيات. وبأثر العولمة الرأسمالية وسياسات التحرير الاقتصادي أصبحت النقابات مهددة في وجودها.
الحقوق الاقتصادية للعاملين ترتبط بقوة بالتكوينات النقابية على كافة المستويات والمتغيرات الاقليمية والدولية والتحولات الاقتصادية آثارها على اقتصاديات كافة الدول وشعوبها ومن ثم على كل الطبقات والشرائح الاجتماعية بما يضع على كاهل النقابات مسؤوليات كبيرة، وحتى تكون النقابات شريكاً مؤثراً في كل مستويات الحوار الاجتماعي لابد أن تتسع عضويتها.
والنقابات من أشكال الاتحاد الطوعي لتحقيق أهداف محددة
    •     تحسين شروط الخدمة.
    •     العمل اللائق.
    •     الدفاع عن حقوق العاملين.
    •     الدفاع عن الحقوق المكتسبة.
    •     تحسين بيئة العمل.
    •     زيادة المرتبات والأجور.
مع سياسات التحرير الاقتصادي (بدأت في السودان 1978) بدأ تأثر التكوينات النقابية واستشرى ضعفها وتواصل. وفي الدول الدول الأوربية تناقصت نسب عضوية النقابات بنسب متفاوته وصلت إلى 30%، أما ضعف التكوينات في المنطقة العربية  (والسودان) فلا يحتاج إلى بيان، حيث أكدت احصائيات رسمية أن المنضوين تحت نقابات، هم في حدود 10% من العاملين. وهذه النسبة تبدو واضحة في السودان. بمسح سوق العمل 2011، وأية مراجعة لأعداد العاملين بأجر والعاملين الأعضاء في نقابات تؤكد أن أكثر من 90% من العاملين خارج التكوينات النقابية.
التحديات التي تواجه الحركة النقابية تحت ظل سياسات التحرير الاقتصادي كبيرة وأبرزها المتغيرات التي طالت علاقات العمل نتيجة المتغيرات الاقتصادية والتي تمثلت في الهجوم المنظم على الحقوق المكتسبة بما في ذلك (الوظيفة الثابتة) و(ساعات العمل الثمانية)
وبدأت تتلاشى مبادىء التضامن النقابي، بما في ذلك (الاضراب التضامني) لدرجة أن العمال والعمال المتقاعدين في أوربا أصبحوا القوى الرئيسية التي تتضامن معهم وبالذات في القضايا الجديدة (خفض الأجور)، (شروط التأمين الصحي ..الخ) هم طلاب الجامعات والمدارس الثانوية وأفراد عائلات العاملين والمتقاعدين والجمعيات والروابط الحقوقية.
وفي نموذج (الوظيفة الثابتة) أو ما نُطلق عليه في السودان (الخدمة المستديمة) نجد أن سياسات التحرير الاقتصادي والتي تعني حرية إنتقال رأس المال والأشخاص، قد تبنت أشكال جديدة للاستخدام عوضاً عن الوظيفة الثابتة منها:
    •     العمل بالعقودات محددة الأجل.
    •     العمل الجزئي.
    •     العمل بعض الوقت.
    •     العمل بالمنزل.
    •     إقتسام الوظيفة وغير ذلك من الأشكال (جميعها مطبقة في السودان).
الأشكال الجديدة للاستخدام تضعف النقابات القائمة ومن جهة أخرى تمنع قيام نقابات جديدة، وشملت أشكال الاستخدام جميع فئات العمال والمهنيين والفنيين والمعلمين وحتى أساتذة الجامعات،
وفي السودان إضافة الى ما ذُكر نجد أشكال استخدام أثرت على قوة النقابات أو منعت قيامها وهي:
    •     استخدام ما يُطلق عليه الخبراء والمستشارين (كذلك في بعض دول عربية مثل مصر وهم بالآلاف في جهاز الدولة 9 يعملون بعقودات محددة الأجل وبشروط خدمة خاصة ومرتبات وأجور لا علاقة لها بالهيكل الراتبي الموحد المطبق في الدولة.
    •     شركات توظيف الأشخاص.
    •     العمالة المؤقتة.
    •     لائحة البنيان النقابي لقانون النقابات 2010 ومشروع 2016
والاستخدام بطرق الاستخدام الجديدة، ليس المقصود منها كما يُشاع تهرب أصحاب العمل من التزامات فوائد ما بعد الخدمة التي ترتبها الوظيفة الثابتة فهذه الفوائد يدفعها صاحب العمل مقدماً وشهرياً، لصالح العامل عند استخدامه ولكن من الأهداف الأخرى الحقيقية:
    •     إنهاء خدمات العاملين فردياً أو جماعياً من دون تعقيدات قانونية، بما في ذلك النقابيين أو الراغبين في تكوين نقابة بأداة (إنهاء عقد العمل في مواعيده) دون الاقتراب من الفصل التعسفي والتعويض عنه.
    •     خفض الأجور دون مخالفة القانون، فخفض الأجور للعاملين في الخدمة المستديمة يرقى الى درجة الفصل التعسفي كما تم به القضاء في السودان، أما إنهاء العقد في مواعيده فيتيح لصاحب العمل إعادة استخدام العامل بعقد جديد وشروط خدمة جديدة.
    •     منع قيام النقابة دون الاعلان عن ذلك صراحة أو اضعاف النقابة إذا كانت قائمة بسبب فقدان العاملين (الأمان الوظيفي). ولذلك شهدنا شركات كثيرة في السودان في القطاع الخاص نظمت انهاء خدمة مستخدمين في الخدمة المستديمة بالفصل التعسفي (بفصل قانوني بقانون العمل القائم) أو إنهاء الخدمة بالتراضي (الاستقالة) ثم إعادة استخدام من ترغب بأي شكل من أشكال الاستخدام الجديدة.
ومن أهم آثار سياسة التحرير الاقتصادي، التخلص من المنشآت الحكومية، ومنشآت القطاع العام وبالذات التي تستخدم عمالة كبيرة. ونتج عن ذلك:
    •     قامت الدولة بإلغاء الوظائف بقرارات من مجلس الوزراء، وهو إلغاء اسمى حيث أعادت في كثير من الأحوال إعادة استخدام ذات الملغاة وظائفهم وفي نفس وظائفهم بأشكال الاستخدام الجديدة وبأجور أقل.
    •     ظهرت منشآت صغيرة بالآلاف.
    •     برزت الشركات الاجنبية التي تستخدم عمالة وطنية واجنبية وتطبق أشكال الاستخدام الجديدة.
وحتى في جهاز الدولة، فقد توسعت الحكومة في استخدام (المؤقتين) أو ما يطلق عليهم (خارج الهيئة) أي خارج الوظيفة الثابتة (المعاشية) وكذلك في القطاع العام والعمالة المؤقتة تكون مرتباتها وأجورها أقل وأحيانا مجمدة. ومشكلة هؤلاء أن النقابات في السودان لا تعترف بأي حقوق لهذه العمالة حيث تعتبر خارج عضوية النقابة في المنشأة (عضوية النقابة للعمال في الخدمة المستديمة). وفي ذلك مخالفة واضحة للمعايير الدولية وحقوق الانسان.
وانتشرت شركات توظيف الاشخاص مع سياسات التحرير (أكثر من ستمائة في السودان) وأصل مكاتب الاستخدام الخاصة والتي نشأت في بعض الدول المتقدمة في مطلع القرن العشرين (1902) هو خفض نسبة البطالة ومساعدة الباحثين عن عمل لشغل وظائف، وحتى في تلك الدول فقد بدأت مكاتب الاستخدام (عامة) في إطار تأمين البطالة.
وظهرت مكاتب الاستخدام الخاصة لأول مرة على النطاق الدولي في يونيو 1997 بالاتفاقية الدولية رقم 181 والوثيقة رقم 188. وسرعان ما تضمنها قانون العمل السوداني 1997 القائم حتى اليوم ولأول مرة، دونما إحترام للمعايير الدولية التي نصت عليها بل وجاءت متناقضة صراحة مع ذات نصوص قانون العمل 1997 بشأن الاستخدام.
ومثلت شركات ووكالات الاستخدام الخاصة في الحقيقة خصخصة وزارة العمل وعلينا أن نتذكر أنه لا توجد في السودان (سياسات للاستخدام)، كما لا توجد (مكاتب استخدام عامة) وتؤدي مكاتب العمل هذه المسألة بصورة جزئية أبرزها تسجيل الباحثين عن عمل وكروت التسجيل).
في الممارسة فإن مكاتب ووكالات الاستخدام تقوم بتوريد العمال عن طريق العطاءات، التي دائما داخلية ويجد العاملون أنفسهم يؤدون وظائف في منشآت ليست هي مخدمهم وهي علاقات عمل جديدة كرستها شريحة الرأسمالية السودانية الجديدة (الطفيلية).
وكما يفقد العاملون في المنشأة التي تم توريدهم إليها كافة حقوقهم القانونية من إقامة التكوينات النقابية، إلى حقهم في ساعات العمل القانونية فإنه يتم محو النقابات بالكامل في المنشآت التي يتم توريد العاملين لها.
ولائحة تكوين النقابات 2010 ومشروع 2016 كرست صراحة لإضعاف النقابات ومنع قيام نقابات جديدة، بما يعني صراحة أن القانون ولائحته تحت خدمة الرأسمالية الطفيلية، ونعتقد أن الصراع حول شكل التنظيم النقابي (منشأة)، (فئوي) يأتي لصالح الرأسمالية الطفيلية لأن القضية الرئيسية هي إبعاد عاملين من عضوية النقابات القائمة من جهة ومنع قيام نقابات جديدة من جهة أخرى.
وفات على دعاة (الحريات النقابية) أن الهدف يكون قابلاً للتحقيق عند وجود النقابات نفسها.. فإذا كانت نسبة المنضويين للنقابات أقل من 10% فإن الأولويات تختلف.. ونلاحظ:
    •     النقابات القائمة لا تعترف بحقوق العمالة المؤقته في عضوية النقابة.
    •     رغم قيام الاف المنشآت الصغيرة فان اللائحة إشترطت مائة عضو كحد أدنى لتكوين التنظيم النقابي في حين توجد في السودان أكثر من ستين ألف منشأة يقل العاملون فيها عن مائة
واللائحة خالفت الدستور المؤقت والمعايير الدولية (ما بين ٢٠-٣٠) عضو وحقوق العمال المكتسبة (٥٠ عضواً في السودان).
    •     دمج نقابات المنشأة الحكومية والقطاع العام مع القطاع الخاص والذي يضعف النقابات في عضويتها ويمنع قيام نقابات فيه.
    •     الشروط القانونية لشركات ووكالات التوظيف الخاصة بالصورة التي أشرنا إليها والتي تتعارض مع المعايير الدولية وقانون العمل السوداني ليست محل اهتمام اتحاد العمال ولا أية قوى نقابية أو مدنية أو سياسية.
    •     لا ينص قانون النقابات ولائحة تكوين النقابات بوضوح على اقامة التكوينات النقابية للفئات والمهن المختلفةعلى مستوى الصناعة أو المهنة.
ومن آثار سياسات التحرير الاقتصادي على النقابات إضافتها لاهداف جديدة ومن ذلك:
    •     الدفاع عن حق الاستقرار في العمل والوظيفة الثابتة (حقوق مكتسبة).
    •     التأمين الاجتماعي ونظم المساعدات الاجتماعية
    • التأمين الصحي
    •     إعادة التأهيل والتدريب لفاقدي الوظائف بسبب الخصخصة، ومنحهم الاولوية في التوظيف.
وللحديث بقية..