السودان أمام التحولات المتصادمة

محمد جميل أحمد

ترسم أحوال السودان اليوم مساراً لصدام دموي في المستقبل، ليس فقط لجهة البديل المجهول الذي لا يمكن أن يتنبأ به أحد، نظراً للتركيب والتعقيد اللذين يكتنفان الوضع السوداني ومساراته، لا سيما بعد دعوات العصيان الأخيرة واحتقان الوضع المعيشي، وإنما أيضاً لما لا يمكن أن يغيب عن ذهن المراقب، حيث يُرجح أن تترافق التحولات الخطيرة مع استبعاد أي مسار سلمي!

دموية الصدام هنا لا نعني بها، بالضرورة، مساراً فوضوياً (وإن كان هذا وارداً) وإنما نعني عنف الدولة المؤكد في ردود الفعل على التحرك الجماهيري الذي سيمثل حداً اضطرارياً حرجاً للخروج من تناقضات المعيشة الطاحنة، وذلك عند لحظة لا يملك الشعب فيها ما يخسره بفعل ذلك الخروج (وهي لحظة سودانية خاصة وأفقر بكثير جداً من شروط لحظة خروج المصريين والسوريين مثلاً).

 

كل ذلك، مصحوب بإحباط متراكم لما بات يدركه السودانيون عن عدمية نظام الخرطوم وخداعه المتمادي للشعب وإسرافه في اتفاقيات هوائية لأكثر من عشرين عاماً، وحوارات عقيمة ظلّ هدفها الوحيد التلاعب بالوقت.

 

وقد لا يكون محدوداً عنف النظام الذي سيصاحب حراك الشعب، هذه المرة، تكراراً لما حدث في حراك أيلول (سبتمبر) 2013 الذي قمعه النظام بالقوة وراح ضحيته أكثر من مئتي شهيد. لكن في الوقت ذاته، لن يكون الحراك الجديد معزولاً عن مزاج شعبي عام لم يتوافر لحراك 2013، ما سيعني، أيضاً، أن ردود الفعل العنفية ضد الحراك الشعبي، هذه المرة، ستختبر الكثير من الأطراف، كالجيش والأحزاب وتيارات الشباب في التعاطي مع ذلك العنف وفي توجيه مساراته.

 

ذلك أن غموض هوية البديل المقبل لنظام الإنقاذ، بعد أن أدرك الجميع الحاجة إلى ذلك البديل، أصبح شبحاً مزعجاً، وفزاعة تخويف من طرف النظام، فيما أصبح الأمر، في الوقت ذاته، نقاشاً سياسياً مشروعاً في أوساط القوى الحزبية المختلفة.

 

وتدل معطيات وافرة للوضع المعقد في الخرطوم، إلى أن الانسدادات النظرية لأي تحليل سياسي يقارب المسألة السودانية، إنما هي، في تقديرنا، الوجه الآخر الذي يدل على أرجحية اتجاه الصدام الدموي كطريق وحيد للخروج من الوضع الذي أصبح عليه السودان اليوم. فتاريخ النظام وخطاياه عمّقت تجريفاً خلخل البنى الإستراتيجية لهياكل الدولة في الخدمة المدنية والجيش والفضاء العام، من خلال الهوية الانقسامية لآيدلوجيا الإسلام السياسي. وهذه انعكست، انقساماً رأسياً واضحاً قسَّم السودان، وخلق أجساماً عسكرية موازية للجيش الوطني (قوات الدعم السريع نموذجاً)، وشوّه الذاكرة العامة لهوية المجتمع من خلال «المشروع الحضاري»، وصولاً إلى الفساد الذي نتج من سياسات «المصلحة العامة».

 

لقد كان العصيان المدني الذي دعا إليه ناشطون شبان عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 27 تشرين الثاني (نوفمبر)، ثم في يوم 19 كانون الأول (ديسمبر)، مؤشراً قوياً إلى ارتفاع منسوب السخط الشعبي العام على النظام، وهو ما زاده رفع أسعار المحروقات مؤخراً. وهذا يعني أن مسألة الصدام مع النظام، قد تكون مسالة وقت فحسب. إذ لأول مرة في تاريخ هذا النظام منذ 1989، أصبح للنقاش العمومي عن العصيان والاهتمام المتواتر به في أوساط الشعب السوداني انعكاس مباشر على ردود فعل النظام، كما صار هاجساً واضحاً في الترتيبات الأمنية والتخويف الذي لجأ إليه أيام العصيان.

 

وفيما يتساءل كثيرون عن البديل الذي يخافون منه، نرى أن شكل المواجهة بين الشعب والنظام،عبر الصدام، سيلعب دوراً كبيراً في تحديد ملامح الأيام التي ستعقب سقوط النظام، أي تحديد ملامح هذا البديل المجهول.

 

لقد كشفت النقاشات الشبابية على صفحة العصيان المدني في فايسبوك والصفحات الموازية لها عن خزين متراكم من التعبيرات التي تنوعت وسائلها الفنية والتجريبية لتصب، في النهاية، في مزيج واضح من الغضب والحنق واليأس المطلق، والسخرية من رموز النظام بمرارة بالغة.

 

وفي هذا الإطار من الغموض ربما كان هناك حزب واحد يشكل استثناءً في تجربته السياسية الواعدة: فحزب «المؤتمر السوداني» الحديث التكوين، بدا واضحاً أنه يرسم مساره في العمل السياسي بفعالية وصدقية متواصلة. وعلى رغم اعتقال قيادات الصف الأول للحزب (تم الإفراج عنهم مؤخراً) فقد كان الحزب هو الوحيد الذي سارع للتنسيق مع شبان العصيان عبر وسائط الإعلام الجديد. ويمكن القول إن دعوات العصيان المدني أطلقت مزاجاً سياسياً جديداً للرفض بين السودانيين ضد نظام الإنقاذ، وهو رفض سيكون له ما بعده بكل تأكيد.