مامون التلب
مأمون التلب

شُغُل إيلا

مامون التلب
مامون التلب
(1)
قبل أيامٍ وقعتُ في المحظور ودخلت مستشفى أم درمان.
في العادة أتحاشى المستشفيات قدر المُستطاع، إلا في الحالات الطارئة جداً أجدني مضطراً لإنجاز زيارةٍ ما، وكلما يحدث ذلك كنتُ أخرج باكتئابٍ داخلي يستمرّ لأيام، تتبادل فيه الصور المخزنة في الذاكرة ورديات التأليم من حينٍ لآخر.
كانت آخر زيارة لمستشفى أم درمان قبل سنوات لإسعاف صديقٍ مريضٍ جداً كنا نرافقه، ولم أستطع استيعاب أن يكون هذا المستشفى شعبيّاً بأيّ حالٍ من الأحوال. فكل الدول التي نُطلق عليها “فقيرة” من حولنا في ما نسميه -خبلاً منّا- بـ”العالم الثالث”، والمحيطة بنا من كلّ جانب، لا يمكن مقارنتها أبداً بأي مستشفى حكومي في السودان، خصوصاً الكُبرى منها.
(2)
قبل أيامٍ لم أصدق ما رأيت، فخرجت مسرعاً بعد الخطوات الأولى في الردهات المكدسة بأكياس النايلون والزبالة والمياه الملوّثة، إذ يمكنك بسهولة أن تُميز من وجوه الوافدين أنهم لا يملكون أي خيارٍ آخر سوى هذا الخيار الحكومي القاتل، الأنكأ أنني عرفت من إفادات صديقتنا التي تعمل هناك –سبب الزيارة- أن الذي أراه من تردٍّ مُوغلٍ في الغدر الشعبي هو الأفضل بعد أن تمت تلبية بعض مطالب الأطباء المُضربين في الشهور الماضية. ما الذي كان يطلبه الأطباء حقّاً؟ ولماذا يطالبون به من الأساس؟ باختصار: ما هي فعلاً وظيفة الدولة في الحياة؟
واليوم، تتدفق الكتابات المشيدة بوالي ولاية الجزيرة إيلا، وعندما تقرأ الإنجازات “المبهرة” التي يتحدثون عنها ويقتلونها تقريظاً تجد أنها أقلّ من واجب الوظيفة التي يشغلها الوالي بكثير، وهو ما يشير إلى: الشذوذ الذي يُثبت القاعدة.
القاعدة هي: اختفاء الدولة.
(3)
إنه لمثيرٌ للحزن أن يفرح المواطنون بوالٍ لمجرد أنه (يشتغل)! وكأن الوظيفة الأساسيّة للوالي هي (عدم الشغل)، وقد سمعت هذه الجملة تلاحق الوالي المُشكَّر، منذ بورتسودان وإلى مدني، والتي تقول: إيلا بيشتغل! هل وصل بنا اليأس من أن تكون لنا دولة لهذا الحد؟ حدّ أن يصبح (الشغلُ) خَرْقاً للطبيعة يستحقّ الهتاف وتأليف الأغنيات من قبل المواطنين أنفسهم؟ أليس مدعاةً للحزن الشديد –أكثر من الفرح الساذج- أن يتغنّى مواطنو ولاية الجزيرة لواليهم ويكتبون فيه الأشعار ويسطرون اسمه على طبليات ستات الشاي فقط لأنه (بيشتغل)؟ وهل العمل أصبح منّةً تدفع للتبسّم والتفاخر، أم إنشاء المدارس والطرق والكباري أصبح معجزة؟.
(4)
لا أدري متى نصلُ إلى وعينا –كشعوب- بحقيقة بسيطة وهي أن العمل في الدولة ليس سوى وظيفة مثلها مثل بقية الوظائف، وواجب يُنجز بلا شكرٍ ولا تعظيم، لأن المال ليس مال الأفراد، ولا الموارد، لا الأرض ولا السماء التي تُمطر. إنّه حق الإنسان في العيش الكريم على الأرض التي خُلِق ليعمّرها، لم تمنحه الحكومات المتحدثة باسمه حياةً، بل ظلّت تسلبه الحياة لدرجة العطش الشديد لمجرّد (شُغُل)!.
(نشر السبت بأخيرة صحيفة السوداني 7 يناير 2017م)

عن محرر

شاهد أيضاً

محمد علي خوجلي

محمد علي خوجلي يكتب.. يوليو 1971م في المغرب والسودان

عملية يوليو الكبرى (27) معلومات وأحداث اضافية (1) يوليو 1971م في المغرب والسودان استمد “الحزب” …