لماذا يجد القادة الشيوعيون هذا الحب الجارف من الشعب السوداني؟

صلاح شعيب

إذا عدنا لجرد العقد الأخير، على الأقل، فإننا نجد أنه قد رحل من خلاله الكثير من رموز السودان على مستويات السياسة، والفكر، والأدب، والفن، والاجتماع. ولكن أكثر هؤلاء الذين وجدوا تبجيلا كانوا من الشيوعيين، واليساريين الذين تحالفوا فكريا معهم بشكل، أو بآخر. وإذا قارنا حجم التقدير الذي وجده الرموز الراحلون من التنظيمات الأخرى فإنه يصعب القول إنها لقيت اهتمامنا بالقدر الذي وجده هؤلاء الشيوعيون الممجدون. وربما شيعت الجماهير بعض قادة النظام باللعنات برغم أن ثقافة السودانيين حتى وقت قريب كانت لا تثأر من شخص عند دنو لحظات موته وبعدها. ولكن ثقافة العنف المستبد التي أرساها الإسلاميون في التعامل مع الآخرين لم تتح مجالا للمغبونين للتسامح مع موتاهم، والذين بعضهم أراق الدماء، واغتصب النساء والرجال معا، وأذل كرامة المستضعفين. 
إن غالبية الكتابات التي تناولت سيرة هؤلاء الشيوعيين الأماجد بجزيل الكلم، ولوعة الحرف، وزفرات النفس الحرى، تنتمي إلى تيار التغيير العريض باتجاه الحرية، والديموقراطية، والسلام. رثاهم ممثلو كل الأجيال بصدق، منهم بعثيون، ومنتمون للأحزاب التقليدية والحديثة، أنصار، وختمية، ومستقلون، وجمهوريون، وصوفيون، ونشطاء منظمات مجتمع مدني، ومحاربو حركات مسلحة. بل إن هناك بعض الإسلاميين الذي أبدى تقديرا للشيوعيين الراحلين، فضلا عن ذلك فإن الحكومة التي تكيد كيدا للحزب أبدت نوعا من التقدير لهم، وإن كان صوريا. ولا بد أن الإخوة الجنوبيين الذين انفصلوا عنا عبروا أفرادا، وقيادات، وبرلمانا، عن بالغ الأسف لفقد هؤلاء الرموز الوطنيين. وهكذا تلاقى الشمال، والشرق، والغرب، والوسط، والجنوب في ملحمة قومية للوفاء. وعلى مستوى الشرق الأوسط، وأفريقيا، فإن رموزا فكرية، وجماعات، ومنظمات، عبرت عن حزنها لفقد هذه الشخصيات السودانية التي كانت تشاركها هموم اليسار العربي، والإفريقي. 
بالتوثيق نجد أن الذين شيعوا جثامين الشيوعيين يمثلون معظم قطاعات البلاد، والذين يشاركون في تأبينهم سنويا في السودان، والمهجر هم هؤلاء السواد الأعظم من السودانيين. ففي هذا العقد المنصرم مات نقد، وحميد، والخاتم عدلان، والتيجاني الطيب، وسعاد إبراهيم أحمد، ومحجوب شريف، وسعودي دراج، وعبد الماجد بوب، ومحمد سعيد القدال، ووردي، وآخرون، وأخيرا فاطمة أحمد إبراهيم التي جاء اهتمام الناس بوفاتها هادرا حتى بدا كأنها تنتمي لتيارات السودان السياسية جميعها هذي، أكثر من انتمائها للحزب الشيوعي فحسب. وهذا الحب الجارف الموثق في حروف الناعين، ومواد وسائط الميديا، كاد أن يخلع الراحلة حتى من حزبها الذي انتمت إليه، وتمثلت أدبياته، وعرفت به. ولاحظنا أنه رغم سيطرة الحزب على إجراءت القيام بأعباء الدفن إلا أنه لم يتمكن من تمام السيطرة على كل ما صاحبها من أحداث أدت لطرد قادة السلطة من موكب التشييع.
-2-
لا بد أن هناك رابطا قويا وسط هذه الجموع السودانية التي اتفقت على معنى هذا التبجيل الكبير، والتقدير لميراث هذا النفر من الشيوعيين، والتعبير عن العاطفة إزاء رحيلهم إلى الآخرة. هذا بالرغم من أن الوسيلة الفكرية التي يتبعها الحزب قد واجهت حربا شرسة منذ خمسينات القرن الماضي في مجتمع يسهل فيه جدا تجييش عاطفته الدينية. وهذه ما تزال توظف ضد الحزب، وأهل الاستنارة الآخرين، كنوع من الابتزاز الإستراتيجي، وكوسيلة للشنشنة الفكرية التي ترنوا إلى السيطرة على حيز الرأي العام. والحقيقة أن الدين، لم يكن يوما هدفا للعداء، أو الاستهداف من الشيوعيين السودانيين، ولا توجد في أدبيات الحزب الرسمية ما يعبر عن انتقاص لقدر الإسلام، أو المسيحية، أو الأديان الأفريقية. قد يوجد في الحزب ملحدون، ولكنهم هم الملحدون عموما الذين يتخذون موقفا ليس ضد معتنقي الدين وإنما يستهدفون مساءلة المصادر الدينية كلها. ومن حق الملحدين، أو الإنسان عموما، ان يؤمن بدين، أو لا يؤمن ما دام الإيمان، أو عدم الإيمان، بوصلة الضمير، ولعل دين الإسلام ذاته لم ينته إلى حمل الناس على الإيمان بالجبروت. وكان أهل الكتاب في صدر الإسلام لا يؤمنون ببعثة النبي الكريم، ويعتقدون في ما يعتقدون، ويتعاملون معه على هذا الأساس. وقد ظل الملحدون، الشيوعيون وغيرهم، يتعاملون مع الأمر باعتبار أنه حق على المستوى الفردي. ولكنهم لم يراكموا أدبا منشورا ضد المعتقد حتى يقعوا في فخ الذين ينافسونهم في حصد عاطفة، وقلب، وجهد الجماهير. 
وهنا تضحي القلة من الشيوعيين الملحدين بحريتها في الجهر بالتعبير إعلاميا، احتراما لما يراه البعض أنه خدش لمعتقد المتدينيين، والذين يشكلون أغلبية الشعب السوداني. وربما يعود هذا التقليد الصارم إلى لوائح الحزب التي تشدد على هؤلاء الشريحة من العضوية بأن المعركة الأساسية تتعلق بالتنوير أكثر من التهديم، وبالتثقيف أكثر من الازدراء بالموروث المعتقدي، وببحث المشرق في التراث الإسلامي، أكثر من تناول ذلك الموضوع الذي يثير المشاكل لا الحلول. وعلى هدي هذه المفاهيم سار الشيوعيون جميعا ينشطون في العمل العام. يخفقون هنا، وينجحون هناك، ويراجعون بمثابرة مساهمتهم الوطنية على طول التاريخ، وفي كل هذا السعي النظري، والحركي، تجدهم منفتحين أمام المعرفة. ومن نافلة القول أن آيات هذا الانفتاح الشيوعي تتمثل في تخلي شيوعيين عن الإيمان بالنظرية الماركسية نفسها، إذ إن بعضهم انتهى إلى التصوف، أو الانضمام لخصم الحزب الشرس حتى: الحركة الإسلامية. وهناك من تركت الحزب ثم مضت إلى حال سبيلها حرة من كل قيد تنظيمي، دون أن تتخلى عن الماركسية، أو القناعة بقيم النضال من أجل مستقبل أفضل. وما يجدر تأكيده أن بعض ملحدي الحزب هم الذين بحثوا عن سلوى دينية لاحقا لدى هذه التيارات الموصوفة بـ”التيارات الرجعية”، بينما بقي ملحدون وغير ملحدين متمسكين بالنظرية التي بذل قادة الحزب جهدا لسودنتها حتى تتماشى مع طبيعة واقع البلاد. وغالب هؤلاء المتمسكين بالتنظيم الآن هم الذين يسيرون على نهج التراث الذي خلفه أولئك النفر الأشاوس من الراحلين. أما الذين سعوا إلى مغازلة اليمين الديني فالكثير منهم قد تناسى مطالب الجماهير، وسكت عن الدفاع عن الفقراء، والمحرومين، والمظلومين، وبصورة أو بأخرى يهدفون إلى استهداف بنية الحزب.
-3-
من خلال هذا الولاء الشيوعي للجماهير المستغلة تاريخيا يُفهم هذا الحب الجارف الذي بينه المنتمون للتيارات السودانية كافة لرموز الحزب الراحلين في مناسبات تشييعهم. وإذا تعمقنا في هذه الأحداث فإننا نرى أنها تُلقي بمهمة ثقيلة على هذا الحزب أكثر من كونها تمنحه صكاً يجيز وطنية خطه السياسي فحسب. فلو أن هذا الإجماع على الحب الجارف نحو أفراد الحزب لا بد أن قد تأسس على إشراقات تربيته النظرية لكوادره النوعية هذه، فإنه يعني أن الحزب، من جانب آخر، برغم الضربات الموجعة التي وجدها من قوى اليمين طوال نصف قرن من الزمان، وتصاعد الاستهدافات نحوه في الآونة الأخيرة، ما يزال يمثل البوتقة السياسية السودانوية التي تلم شعث الناس إن لم يكن حركيا، فنظريا على الأقل.
وهذه رسالة تعني أن في حراك الشيوعيين كثير من الأمل في استعادة العافية للبلاد، وسلامة الانتقال من مرحلة الاستبداد إلى آفاق الحرية، والتجسير بين قضايا الحضر وأولويات الريف. بل إن فاعلية الحزب، وقدرته على معالجة أدواء فعل التنظيم، وإدارة تبايانات رؤى قادته، وإيجاد وسيلة لتنمية منظوره لقضايا السودان على ضوء المستجدات الماثلة، والاعتبار من ثقل التاريخ على الحزب، كل هذه الضروريات، الأولويات، تفرض مسؤولية وطنية أكبر على الشيوعي للسير في تحقيق تطلعات هؤلاء الراحلين، والتي هي تطلعات أغلبية السودانيين التي مجدتهم بهذه الصورة البليغة، وعكست معنى الوفاء، ووضعت سقفا عليا للتبجيل.
صحيح أن هؤلاء الذين احتفوا بسجل حياة الراحلين من الحزب، ومن ثم حزنوا على مفارقتهم دنيانا، لا يتفقون تماما مع كل الرؤى التي يطرحها الحزب اليوم. بل إننا شهدنا قبل شهور عدم توافق الشيوعيين أنفسهم بعضهم بعضا، والذي أدى إلى خروج، أو إعفاء جماعة من قياداته، في ملابسات تنظيمية أو فكرية. كما أن هؤلاء المحتفين بالراحلين ربما يتمنون لو أن سجل كل شيوعي يماثل عطاء فاطمة أحمد إبراهيم، أو سعاد إبراهيم أحمد، أو نقد، أو التيجاني الطيب. ولكن يبقى الرهان على العطاء أهم من الرهان على الانتماء وحده. وعندئذ يبقى الحكم على الشيوعي من خلال ما يقدم للجماهير، وليس العبرة بالخطأ في التقدير مرة، أو إساءة النظر مرة أخرى، وإنما تأتي العبرة بكامل إسهام الفرد الإيجابي المكثف الذي يبقى نوعيا حتى آخر رمق. ولا يكفي فقط قياس سجل الإنسان بالشعارات التي يتبناها. فما لم يتطابق الفعل مع الفكرة فإن لا معنى لتقديس الانتماء لمنظومة سياسية مهما حملت من قيم التنوير، أو المنطق، أو رجاحة النظر. وفي زمان توضع فيه السلطة المتاريس أمام وحدة قوى التغيير الديموقراطي، فإن التعاطف مع الحزب في هذه المرحلة التي تتصاعد الحملات المنظمة الواضحة ضده من قبل قوى ظلامية، والمتواطئين معها، واجب مهم، ينبغي أن يكون هم كل الناشطين لإحداث التغيير، خصوصا أن ثقافة الالتزام الوطني التي أرساها هؤلاء الراحلون المتسقون تتطلب منا شيوعيين، وغير شيوعيين، أن نتقفى أثرها، وهذا أكبر تكريم لهم.

مختارات

  • 81
    مشهد أول: في مشهد تشييع الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم ــ رحمة الله عليها ــ تأكدت حقيقة أن نبض هذه البلاد كان ولم يزل دافقاً، وأن المرأة في مجتمع السودان، تظل "كنداكة، كنداكة". كان المشهد تأريخاً لرسوخ المكتسبات التي حققها جيل فاطمة لصالح قضايا وحقوق الإنسان.. قضايا النساء والأطفال على وجه…
    Tags: أن, فاطمة, الحزب, الشيوعي, السودان, انقلاب, يوليو, أحمد, إبراهيم
  • 73
    الخرطوم: الجماهير يصل بعد غداً الأربعاء، جثمان القيادية بالحزب الشيوعي وأول برلمانية في السودان فاطمة أحمد إبراهيم،بعد أن وافتها المنية السبت الماضي، بالعاصمة البريطانية لندن،عن عمر ناهز الـ (85) عاماً، بعد صراع طويل مع المعرض. واعلنت اللجنة القومية لتشييع وتأبين الراحلة في تعميم صحافي اليوم  الأثنين، عن وصول الجثمان إلى مطار…
    Tags: إلى, فاطمة, الشيوعي, أحمد, السودان, أن, إبراهيم, الحزب, انقلاب, يوليو
  • 73
    الخرطوم: الجماهير استقبل السودانيين، قبل قليل بمطار الخرطوم جثمان القيادية بالحزب الشيوعي السوداني، أول برلمانية في افريقيا و الوطن العربي، فاطمة أحمد إبراهيم، التي توفيت بالعاصمة البريطانية لندن السبت الماضي.  وتوافدت حشود غفيرة غطت ساحات المطار منذ ساعات الصباح، و ظهر قادة العمل السياسي و الناشطين و الشباب حاملين صور…
    Tags: فاطمة, أحمد, إبراهيم, الشيوعي, الحزب, انقلاب, يوليو
  • 69
    اعداد: علاء الدين محمود  (الاسرة كانت تقضي العطلة الصيفية مع أسرة والدي بمدينة القطينة – وهناك بجانب جدتي وعماتي كانت توجد امرأة ، تناديها عماتي (بفضل الرحام).. وكانت أمراة طيبة وكنت أعتقد أنها أخت جدتي حسب معاملتهم, وكنت أحب تلك المرأة جداً وأجلس بجانبها، وهي تطحن الذرة، ثم تعد الكسرة،…
    Tags: فاطمة, الحزب, الشيوعي, انقلاب, يوليو, أحمد, إبراهيم
  • 69
    من أين أتى أجدادنا شعراء الشعب بتلك المعاني؟  في قول الشاعر محمد المكي إبراهيم: أنا أعلم أن الشعر يواتيكم عفو الخاطر لكن كيف عثر الشاعر صالح عبد السيد، في ثلاثينات القرن الماضي على مصطلح عميق غائر في تراب الفلسفة الإغريقية فنادى محبوبته: الجوهر الفرد الما اتلقى مثالو  والجوهر الفردي هو…
    Tags: فاطمة, أحمد, إلى, أن, إبراهيم, السودان, الشيوعي, انقلاب, يوليو

عن محرر

شاهد أيضاً

صلاح شعيب يكتب.. عقد الجلاد ..هل تعتذر لجماهيرها؟

يبدو أنها ليست أزمة عقد الجلاد وحدها مع عدد كبير من جمهورها. إنها، على الأرجح، …

%d مدونون معجبون بهذه: