د. الشفيع خضر

الشفيع خضر يكتب.. السودان و العقوبات الأمريكية

د. الشفيع خضر

ظل البعض، وليس الكل، في السودان يتحرّون رؤية «هلال» رفع العقوبات الأمريكية على السودان، بعد أن صاموا عدة سنوات عن ما توهموه خيرا وبركة من أمريكا. وأقول البعض، لأن الآخرين، وهم جلّ قطاعات الشعب السوداني، ليس لديهم ذات التوقعات حول أثر رفع العقوبات على حياتهم، بينما يدخل في زمرة البعض القيادات الحاكمة ومن والاهم من رجال الأعمال الجدد، الذين هبطت عليهم الثروات بعد وصول الإنقاذ إلى الحكم في 1989. صحيح أن رجال الأعمال الوطنيين يتفاءلون خيرا من رفع العقوبات، فأثرها كان سالبا على أعمالهم، لكنه تفاؤل منخفض السقف لأنهم يدركون تماما أن العلة الرئيسية لما أصاب أعمالهم لا تكمن في العقوبات الأمريكية وإنما في السياسات الاقتصادية الخربة والمشوّه لنظام الحكم السوداني، والتي عنوانها الرئيسي: الفساد المسيطر تماما، ومن داخل أروقة النظام، وسياسات الأفضلية، حد إحتكار قطاع الأعمال لخلصاء النظام، إلا من فتات.

يقول حكام السودان، أن العقوبات الأمريكية، وليس سياساتهم، أضرت بالمواطن العادي، في الصحة والتعليم، وحرمت الطبقات الفقيرة من حقوقها الأساسية. لكن، الكل يعلم أن العقوبات الأمريكية ظلت مفروضة على السودان منذ تسعينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من ذلك، ظلت حكومة السودان خلال هذه الفترة، وحتى إنفصال جنوب الوطن، 2011، تستمتع بدخل عائدات البترول التي فاقت 70 مليار دولار، مثلما تستمع اليوم بعائدات تصدير الذهب، وغيره،! فرغم العقوبات الأمريكية كان السودان يصدّر بتروله إلى السوق العالمي، ولم نسمع أن العقوبات الأمريكية منعت ذلك، أو حجزت عائداته، وعائدات الذهب، لتبقى خارج السودان. أين ذهبت تلك العائدات؟ هل ذهبت لخلق مشاريع إنتاجية تدر عائدا جديدا، وتوظف عمالة أخرى، وتسهم في خدمة التنمية؟ هل ذهبت لإعادة إحياء وتعمير مشروع الجزيرة والسكة حديد والنقل الجوي والنقل البحري والطرق ومصانع الالبان والنسيج؟ هل تم استثمار هذا العائد في توفير الخدمات الضرورية، من صحة وتعليم ومياه شرب نقية…الخ؟. واقع الحال يجيب على كل هذه التساؤلات، وغيرها، بلا كبيرة. ومع عائد البترول الضخم المتدفق آنذاك، يبدو أن الحكومة توهمت بأنها أصبحت ضمن نادي دول البترودولار، ولكنها اختصرت فقرات ذلك الوهم في الصرف البذخي على جهاز الدولة، بما في ذلك بناء العمارات الشواهق لرئاسات مختلف المرافق، وفي المولات الفارهة، وإغداق الأموال على المنتسبين والموالين والشركاء الجدد…، دون التمعن في ما قدمته واستثمرته دول البترودولار، في الخليج العربي، من عائدات النفط لصالح بلدانها ورفع مستوى معيشة شعوبها…إنها سلوكيات الطفيلية، المستحوزة على خيرات البلاد لتتنعم بها هي وحدها، وحيث الدولة مصابة بداء الفساد في التسهيلات والعطاءات والتمكين واللهف والتصرف الفردي في الممتلكات العامة، ولم تسلم من ذلك حتى المقابر. ومن المفارقات المؤلمة، أن السودان في فترة تدفق مليارات الدولارات البترولية إلى البلاد، جاء ترتيبه ضمن المجموعة الأخيرة في ترتيب دليل التنمية البشرية في العالم.

مجالس الخرطوم تتحدث عن فرح وغبطة خلصاء النخبة الحاكمة في السودان برفع العقوبات الأمريكية لأن ذلك يتيح لهؤلاء الخلصاء من الأثرياء الجدد تحويل أموالهم المكدسة داخل البلاد إلى النظام المصرفي العالمي، وغسل هذه الأموال من أي شبهة تلاحقها. وذات المجالس تتحدث أيضا عن ابتسامات البسطاء من أبناء الشعب السوداني لأن رفع العقوبات أزال «شمّاعة» ظل يتحجج بها النظام لتبرير الواقع المرير والفقر المدقع في البلاد، وعن تساؤلات هؤلاء البسطاء: هل حكومة السودان، بعد رفع العقوبات الأمريكية، ستمطر البلاد خبزا وسلاما ووعدا ؟!

خاطرة، ربما ساذجة أو غير ناضجة، لكنها قفزت إلى الذهن مباشرة بعد قرار رفع العقوبات الأمريكية عن السودان وشطبه من قائمة المحظور دخولهم إلى أمريكا. فقد قفزت إلى ذهني الضجة المثارة في البلاد منذ فترة حول تطبيع السودان لعلاقاته مع إسرائيل. وهي ضجة تخطّت مجرد أن تكون ثرثرة سياسية على ضفاف النيل إلى التصريح بها من مواقع مسؤولة في الدولة، حكومة وبرلمان، كما تناولت مواقع التواصل القصص غير المنفية عن لقاءات المسؤولين السودانيين والإسرائيليين السرية. ثم تضخّمت الخاطرة بما رشح من معلومات بأن اللوبي الإسرائيلي في البيت الأبيض، عبر السيد جاريد كوتشنر، مستشار الرئيس ترامب، لعب دورا كبيرا في قرار رفع العقوبات مؤكدا أنها خطوة هامة في إتجاه استسلام السودان للاستراتيجية الأمريكية، بما في ذلك تطبيعه للعلاقات مع إسرائيل. وفي الحقيقة، فإن قصة اللوبي الإسرائيلي هذه، ومعها تلك التصريحات الموثقة للمسؤولين السودانيين حول التطبيع مع إسرائيل، وقطع السودان لعلاقاته مع إيران، ومعروف أن حصار النفوذ الإيراني في المنطقة يدخل ضمن الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، هذه الثلاثية، ربما تنفي السذاجة عن خاطرتي تلك!

أمريكا إحتفظت بالعقوبات الأهم وذات الأثر السياسي المباشر على النظام، السودان في قائمة الراعين للإرهاب، رغم الحديث عن تحسن صورة السودان في هذا الملف، وقانون سلام دارفور والمطلوبين للعدالة الدولية…، وغير ذلك من كروت الضغط التي تستخدمها أمريكا في سياسة الخطوة خطوة، أو في الحقيقية سياسة الضربة ضربة، حتى يستسلم النظام السوداني تماما لفكرة أن بقاءه في السلطة رهين بخضوعه بالكامل للإستراتيجية الأمريكية.

بعض الناس كانوا يأملون أن تربط أمريكا رفع العقوبات بتحسن وضع الحريات وحقوق الإنسان في السودان. غاب عن هؤلاء أن أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، استبدلت خطابها حول «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، عنوان سياساتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بخطاب «تعزيز الاستقرار» و»تجفيف منابع الإرهاب»، بما يعني تمتين علاقاتها مع الأنظمة التي تضمن لها مصالحها، غض النظر عما تمارسه هذه الأنظمة من انتهاكات لحقوق الإنسان. يا ترى، هل في هذا السياق يمكننا النظر إلى محاولات اختزال سيناريو «الهبوط الناعم» في الإبقاء على نظام الإنقاذ بنسبة أكبر في أي تغيير قادم؟

 

نقلاً عن القدس العربى

 

 

مختارات

  • 92
    الجماهير: وكالات  قال مسؤول أمريكي، اليوم الخميس، إن الولايات المتحدة تستعد لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ فترة طويلة على السودان، بعد الذي تحقق من تحسن في ملف حقوق الإنسان وتقدم في مواجهة الإرهاب. وأضاف المسؤول لوكالة "رويترز"، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه من المتوقع أن تعلن إدارة الرئيس دونالد…
    Tags: العقوبات, السودان, رفع, ترامب, أن, الأمريكية
  • 91
    الجماهير: وكالات  رفعت الولايات المتحدة الأميركية، الجمعة 6 أكتوبر 2017، بشكل دائم، العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ 20 عاماً، بحسب مصادر متطابقة. وقال التلفزيون السوداني الرسمي، في بيان، إن "واشنطن أرجعت رفع العقوبات لما طرأ من تحسّن على أوضاع حقوق الإنسان وجهود محاربة الإرهاب". وجاء القرار الأميركي عقب تحقيق…
    Tags: السودان, العقوبات, رفع, إلى, أمريكا, ترامب, الأمريكية
  • 79
    الخرطوم: الجماهير نفى وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، مساء السبت، تعرض حكومة بلاده "لضغوطات أو قبولها بشروط غير معلنة" من نظيرتها الأمريكية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. وقال غندور، خلال حديثه في منتدى اقتصادي بالعاصمة الخرطوم، إن "بعض المعلقين والناشطين على وسائط التواصل الاجتماعي (لم يسمهم) أشاروا إلى قبول الحكومة السودانية…
    Tags: السودان, رفع, إلى, الأمريكية, العقوبات, أن
  • 78
    الخرطوم: الجماهير يبدأ وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، اليوم الأربعاء، زيارة إلى نيويورك مترئسًا وفد بلاده المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.  ونقلت وكالة الأنباء السودانية (سونا) عن المتحدث باسم الخارجية السودانية، قريب الله خضر، إن غندور "سيقدم بيان السودان أمام الدورة، ويلتقي على هامش اجتماعات الجمعية العمومية، بنظرائه من…
    Tags: إلى, العقوبات, رفع, أن, السودان, الأمريكية, ترامب
  • 76
      الخرطوم: الجماهير   قال إبراهيم غندور، وزير الخارجية السوداني، اليوم الأحد، إن حكومة بلاده لم تتفاوض مع الإدارة الأمريكية من أجل رفع العقوبات المفروضة عليها  على أجندة سرية، مضيفاً "ملفات التفاوض متاحة للجميع".   و أضاف غندور، لدى حديثة في منبر نساء اﻷحزاب والقوى السياسية حول تأجيل رفع العقوبات، إن عملية…
    Tags: العقوبات, السودان, أن, رفع, إلى, الأمريكية

عن محرر

شاهد أيضاً

السيادة

شمائل النور تكتب.. تضليل.! 

قبل أيام قليلة، مهد البرلمان لملامح موازنة العام 2018م، حيث أنَّ النصيب الأكبر منها سوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *